عبد الله سراج ..
 

عبد الله سراج ..   هيل نيوز -

لعبت مدينة الطائف دوراً حاسماً في سير الأحداث، التي اجتاحت المنطقة العربية، الخاضعة لسيطرة الدولة العثمانية، منذ أخذ مؤشر آخر دولة للخلافة الإسلامية بالتراجع، حتى خرجت عن نهجها التاريخي، بعيد سيطرة حزب الإتحاد والترقي على مقاليد الحكم في الأستانة، بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد، الذي عرف بمواقفه المتوازنة وانحيازه لقضايا الأمة الإسلامية، بعيداً عن العصبية والعنصرية الضيقة، ومعارضته الصارمة للمشروع الصهيوني في فلسطين، وهو المشروع الذي خطط له ودعمه الغرب، لإضعاف الأمة وتسهيل السيطرة عليها، لذا كانت الطائف إحدى أبرز مدن الحجاز، ومركزاً حضرياً متميزاً، فقد قدمت للأمة عدداً من رجال الدين، والفرسان الشجعان، الذين كان لهم دور مشهود في الثورة العربية فيما بعد، والذود عن عزة العرب وكرامتهم.
هكذا كان ابن الطائف الشيخ عبد الله سراج، فقد ولد على غير تحديد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من عائلة معروفة، فقد تميزت بالعلم والورع، حيث تعمق رجالها بالعلوم الدينية، إلى جانب إتقان الفروسية ومقارعة الغزاة، ولم تكن « مكة « مدينته المقدسة فحسب، بل كانت فوق ذلك مسقط رأسه، فهي المدينة التي ولد فيها، وتفتح عقله على العلم والإيمان، ونهل من معين والده العالم المعروف الشيخ عبد الله سراج، الذي عرف بالتقوى والورع، وتبصره بعلوم الدين، وكانت له آراؤه التي دفعت الحكومة العثمانية إلى نفيه إلى القاهرة، وقد رافق عبد الله سراج والده في منفاه، كما يذكر ذلك الأستاذ زياد أبو غنيمة، وكان شاباً يافعاً في مدينة كبيرة وناهضة بالحركة الفكرية والعلمية، وتشهد مخاضات سياسية كبيرة، وقد أسهمت كل هذه العوامل في بناء شخصيته، وتطور فكره القومي المندغم مع إيمانه بالأمة الإسلامية، وجدارتها بالحياة والحضارة.
في القاهرة وجد الشيخ عبد الله الفرصة سانحة، لتحصيل العلم والتقدم خطوات واسعة في عالم المعرفة، فالتحق بالأزهر الشريف، الذي يعد أشهر المعاهد العلمية الدينية في العالم الإسلامي، وكان من الطلبة المجتهدين، الذين تميزوا بالذكاء والفطنة، والمواظبة على حلقات الدرس، وفي آخر المطاف تمكن من الحصول على الشهادة العالمية من الأزهر، وكان في تلك الفترة يرى أن الأمة الإسلامية هي وطنه في أي مكان تكون فيه، وأحس بالواجب المقدس يطالبه ببذل الجهد، والصبر على المشقة ومكابدة التعب، فغادر مصر في سفر طويل حتى حط الرحال في النهد، وقد عرفه الناس هناك وألفوه بسرعة، فقد كان يؤم بالمسلمين في صلاة التراويح في مدينة « حيدر آباد « وقد حظي بمحبة أهل هذه المدينة، وعاش بينهم كواحد منهم، لكنه ظل مسكونا بالواجب، الذي أملاه عليه ما حصله من علم، وما أدركه مما يحاك لهذه الأمة من مؤامرات كبرى، لذا فقد قرر متابعة السفر في بلدانها المترامية الأطراف.
وصل الشيخ عبد الله سراج بعد عناء شديد إلى جزيرة جاوا في اندونيسيا، وعاش فيها فترة يصلي بالناس ويعظهم، ويساعد من يقصده منهم بحسب ما يستطيع، وكان خلال هذه الفترة قريباً من الناس، مكرساً حياته لدينه وأمته، بعد فترة عرج عائداً إلى الهند مرة أخرى، ومكث فيها فترة من الزمن، ومن ثم واصل السفر الطويل، حتى حط الرحال أخيراً في الأستانة – اسطنبول- عاصمة الدولة العثمانية، وكانت واحدة من أنشط العواصم الإسلامية وأكثرها عصرية، فقرر الاستقرار فيها، وكان الشريف حسين بن علي مقيماً في اسطنبول، فكان لا بد أن يلتقي الرجلان، وقد طلب منه الشريف حسين الإقامة بضيافته، فلبى الدعوة، فلازم الشريف حسين مدة ثمانية عشر عاماً في العاصمة الأستانة، وقد سمحت هذه المدة الطويلة، وهذا التلازم المخلص، أن تنموا الصداقة بينهما، فيصبحا رفيقين في الغربة وفي النهج.
عاد الشريف الحسين إلى مكة المكرمة، قادماً من اسطنبول، بعد أن عين شريفاً لمكة ووالياً للحجاز، فرافقه في العودة هذه الشيخ عبد الله سراج، وهناك أوكل له الشريف مسؤولية الإفتاء، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فهي الوظيفة نفسها التي تولاها والده الشيخ عبد الرحمن سراج فيما مضى، حتى أن جده عبد الله سراج قد تسلم سابقاً منصب رئيس علماء مكة، وهو منصب ديني رفيع، فالشيخ عبد الله سراج لم يأت من فراغ، بل ورث العلم والفقه من والده وجده، وزاد عليهما بدراسته العالمية في الأزهر الشريف، لذا تمتع باحترام الناس وتقديرهم لشخصه وعلمه الغزير، وزهده بالحياة الدنيا، وكانت الدولة العثمانية تمر بسلسلة من التحولات الكبرى التي بدأت تلقي بظلالها السلبية على البلاد العربية الخاضعة لها، وعندما جرت انتخابات مجلس المبعوثان العثماني، خاض الانتخابات بتزكية من شريف مكة الحسين بن علي، فاختاره الناس ليمثلهم في هذا المجلس المهم، لكن سياسة التتريك العنصرية التي انتهجها جماعة الاتحاد والترقي، والتي أضرت بالعرب وهددت هويتهم، وأدت إلى فرض اللغة التركية بديلاً للغة العربية، فدفعت الشيخ عبد الله سراج للاستقالة من عضوية مجلس المبعوثان، قد قام بهذه الخطوة بموافقة الشريف حسين بن علي.
في تلك الفترة بدأ الشريف حسين بالإعداد للثورة ضد السياسة العنصرية للحكومة، وقد طلب من الشيخ سراج أن يخطب بالناس في المسجد الحرام، يعلن انطلاق الثورة العربية الكبرى ضد الأتراك، وذلك في الوقت نفسه الذي يطلق فيه شريف مكة الرصاصة الأولى للثورة، فكان عبد الله سراج معاضداً للثورة العربية منذ بذرتها الأولى، وهو الأممي في فكره ونهجه، لكن ما قامت به حكومة الأستانة في الفترة الأخيرة كان خروجاً سافراً عن النهج الذي نشأ عليه، فتوجب عليه أن يهب لتصويب هذا الواقع من خلال الثورة عليه، بعدما سلطوا العسكر على رقاب الناس، وقد حققت الثورة نجاحاً باهراً، لكن تآمر الغرب وأطماعهم، حالت بين العرب وأحلامهم التي بذلوا في سبيلها الغالي والنفيس، وهذا الواقع فرض على العرب مرحلة جديدة وطويلة من النضال السياسي والعسكري، في سبيل حريتهم واستقلالهم.
عندما استجاب الشريف حسين لنداءات رجالات بلاد الشام، بعد سقوط الحكومة العربية في دمشق، ليرسل احد أنجاله للمساهمة في تحرير البلاد من السيطرة الغربية، فأرسل نجله الأمير عبد الله على رأس قوة من الخيالة، فوصل الأمير عبد الله الأول ابن الحسين مدينة معان، وكان يرافقه الشيخ سراج، الذي لازم الأمير بشكل متواصل بعد ذلك، وسار معه إلى عمان وشهد تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921م، وكان خلال هذه الفترة قريباً من الأمير عبد الله، مؤازراً له خلال مصاعب مرحلة التأسيس الأولى، موظفاً علمه وخبرته في سبيل تمكين هذه الإمارة الناشئة، لتنهض بدورها في مساندة ودعم المناضلين العرب في الشام وفلسطين، من أجل تحقيق أهداف الثورة العربية الكبرى، وقد توطدت صداقته مع سمو الأمير حتى طابت له الإقامة في الأردن فصار من أبنائها المخلصين.
وفي شهر شباط من عام 1931م أصبح الشيخ عبد الله سراج رئيس وزراء الحكومة العاشرة في إمارة شرق الأردن، وتميزت حكومته بقلة عدد الوزراء، فقد احتفظ الشيخ سراج بالإضافة رئاسته الحكومة بحقيبة وزارة الداخلية والمالية وبمنصب قاضي القضاة، وضمت الحكومة أربعة وزراء آخرين هم: عمر حكمت للعدل، شكري شعشاعة للخزينة، أديب الكايد للآثار، وعودة القسوس نائباً عاماً في حين شغل توفيق أبو الهدى منصب سكرتير مجلس الوزراء، ولم تكن علاقة هذه الحكومة بالمجلس التشريعي على ما يرام، بل سادها توتر كبير، وبالرغم من ذلك بقيت الحكومة تنهض بمهامها مدة عامين، ويذكر أبو غنيمة أن أساس الخلاف، يعود لاستبعاد عبد الله سراج لأعضاء المجلس التشريعي من تشكيلة الحكومة.
يعد الرئيس المعمم الشيخ عبد الله سراج أول رئيس تقال حكومته بشكل مباشر، لحسم حالة عدم الانسجام مع المجلس التشريعي، بقي هذا الشيخ الجليل مخلصاً للبلاد وأميرها ولم يبرح أرضها حتى توفاه الله عام 1948م، في أول عهد المملكة الأردنية الهاشمية بعد الاستقلال، وقد عم البلاد حزن عام على فقده، ورثاه الملك المؤسس عبد الله الأول بحزن شديد، ونشر هذا الرثاء في جريدة الأردن، حيث وصفه أنه عاش فقيراً ومات فقيراً.

 
2011-06-22
مواضيع مرتبطة
ارسل لصديق طباعة