سيد قطب
 

سيد قطب   هيل نيوز - شوقي الأسطل

إن الحديث عن العظماء الكبار شهي إلى النفس ، وأثير إلى القلب ، فهؤلاء يمثلون النماذج العملية لترجمة الرؤى الفكرية والنظريات الكلامية إلى واقع يحياه الناس ويلمسونه عبر تضحيات يقدمونها ، ومواقف شامخة يسطرونها لتبقى للأجيال نبراسا يلهمهم العزم للمضي في دروب الحق ، ودفع ثمن تحويل الرؤية إلى واقع وهو لب ما يعرف بالإلتزام ، وصاحبنا الذي سنسعد برفقته في هذه الرحلة أحد هؤلاء العمالقة الذين قالوا للباطل : لا، وأبوا أن يداهنوا في دين الله في زمن ازدهرت فيه للنفاق أسواق تروجه قام عليها حثالة من رويبضات البشر الذين آثروا أن تكون مصيبتهم في قيمهم ومبادئهم لتسلم لهم لقمة عيشهم المغمسة بالذل والمهانة ، أما صاحبنا الذي تظللنا ذكرى استشهاده ( يوم الاثنين الموافق 29/8/1966) فقد اختار أن يكون من الغرباء الذين أخبر الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم - عن حالهم فقال ( الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي ) رواه الترمذي ونحن في هذه العجالة سنتوقف عند محطات من سيرته العبقة نستلهم العبر ونتعلم الدروس .

( فراسته الإيمانية )

إن المرء ليعجب عندما يطلع على كثير مما صبر عن هذا العلم من آراء وتحليلات أقرب ما تكون إلى الإلهام ، كما وصفها الإمام الألباني – رحمه الله- في مادته المسجلة المعنونة (كلمة التوحيد عند سيد قطب ) فكأنه – رحمه الله – كان يقرأ من صفحة الغيب ، ومن ذلك:

- أقام رجال ثورة 23 يوليو في مصر عقب نجاحها حفلا لتكريمه لدوره المحوري في قيامها ، ويصف الأديب السعودي أحمد عبد الغفور العطار ما شاهده في هذا الحفل فيقول ( كان مقررا حضور محمد نجيب –رئيس مصر – إلا أن عذرا عرض له فأناب عنه جمال عبد الناصر وقد وقف سيد وألقى كلمة قال فيها " إن غاية التثورة العودة بالبلاد إلى الإسلام ، وقد كنت في عهد الملكية مهيئا نفسي للسجن في كل لحظة ، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضا ، وأنا مهيء نفسي للسجن ولغير السجن أكثر من ذي قبل " وهنا وقف جمال عبد الناصر صارخا " أخي الكبير سيد : والله لن يصلوا إليك الا على أجسادنا جثثا هامدة ونعاهدك بسم الله ، بل نجدد عهدنا لك أن نكون فداءك حتى الموت " .

انها فراسة المؤمن الذي ينظر بنور الله فيستشف من خلال نظراته مايخبئه هؤلاء الذين يحتفلون به اليوم من غدر سيظهر جليا في أخس وأبشع صوره في قابل الأيام .

ويروي الكاتب المصري سليمان فياض حوارا دار بينه وبين سيد عقب قيام الثورة فيقول " سألته عن رأيه في الثورة فقال : هنا تحت هذه الشجرة وأشار إلى شجرة في بيته كان الضباط الأحرار يعقدون اجتماعاتهم في فترة التمهيد للثورة ، ثم أحضر مظروفا وأخرج منه صورا وأخد يريني إياها وهي صور له مع الضباط الأحرار أخدت تحت الشجرة ، ولكن لم أر صورة لمحمد نجيب ، فلما سألته قال : هذا جاءوا به واجهة فقط ، ثم أشار إلى صورة جمال عبدالناصر وقال هذا هو القائد الحقيقي وغدا سيكون له شأن آخر ، قلت له : أراض أنت عن الثورة ؟ فقال : لا أجد في تطور أمورها مايريح فهؤلاء الأمريكان يحاولون احتواءها ".

وبنظرة المؤمن الثاقبة يقول عقب انشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 " ان هذا هو المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية وإن العرب أنشأوا المنظمة ليس لأجل تحرير فلسطين ، ولكن لمفاوضة اليهود ومهادنتهم وإجراء الحل السلمي معهم ، والتوقيع على وثيقة الصلح ، والتنازل لهم عن معظم الأراضي " سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد / د. صلاح الخالدي / 499 . والمقولة لاتحتاج إلى تعليق فقد أثبتت الأحداث أنها الهام رباني صدقته الأحداث وأكدته الوقائع .

(شجاعته وثباته )

يروي المرحوم عباس السيسي في كتابه ( في قافلة الاخوان ج4) فيقول : " حينما كنا في الطريق الى سماع الأحكام في مبنى مجلس قيادة الثورة جلسنا في السيارة نستمع الى حديث من الأستاذ سيد قطب حيث قال : إننا مستعدون بكل إطمئنان إلى كل ما يقدره الله لنا ، ولا يريد الله لنا إلا الخير ، فلا تجزعوا وعلينا أن نستفيد من أخطائنا حتى يتداركها الجيل القادم ".

هذا الكلام الذي يفيض يقينا صدر من رجل كان ذاهبا للاستماع إلى حكم الجبابرة فيه وفي إخوانه ، فلم يجزع ولم يضطرب بل قال عقب صدور الحكم بإعدامه " هذا ماعملت من أجله " لقد كان فرحه بالشهادة التي ساقها الله إليه أعظم من فرح الطغاة بكراسيهم ودنياهم الزائلة ، وعندما أرسلو إليه من يساومه ليلة التنفيذ ليظفر بالعفو قال : " علام أعتذر ؟؟ أعتذر على أني تاجرت مع الله ، والله إن اصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية خمس مرات في اليوم والليلة ليأبى أن يكتب كلمة واحدة يقر بها حكم طاغية " وعندما جاءوا له بذلك الشيخ المعمم الأبله ليلقنه الشهادة قبيل اعدامه نظر إليه شزرا ثم قال : " حتى أنت جاءوا بك لتكتمل المسرحية ، والله ماوصلت إلى هنا إلا لأني أقول لا إله الا الله ، أما أنت فتأكل بلا إله إلا الله " صدقت أيها الشهيد فما أعظم الفرق بين من يقدم روحه في سبيل دينه وبين من يجعل من دينه وسيلة للتكسب والإرتزاق والتهام الفتات على موائد السلاطين وصدق من قال إن أكثر من يكتبون عن العقيدة لايعيشونها ولكنهم يتخذونها مادة للمجادلة والتنظير والتعالم .

( استعلاؤه بإيمانه )

في وقت كان الناس قد فتنوا بأمريكا وحضارتها كان لشهيدنا موقف مغاير ونظرة مختلفة فكتب في كتابه أمريكا التي رأيت ( تصلح أمريكا أن تكون ورشة للعالم فتؤدي وظيفتها على خير مايكون ، أما أن يكون العالم كله أمريكا فتلك هي كارثة إنسانية بكل تأكيد ، إن أمريكا هي أكبر أكذوبة عرفها العالم ، نستطيع ان نفيد من أمريكا في البعثات العلمية البحتة كالميكانيكا والكهرباء والكيمياء والزراعة ، أما حين نحاول أن نستفيد في الدراسات النظرية ومنها طرق التدريس فإننا نخطئ أشد الخطأ ).

ويقول واصفا الحياة الأمريكية " إنها حياة عمادها اللذة والنجاح العملي ولا حساب فيها لأي خلق من الأخلاق ، وإن كل القيم الخلقية هي موضع سخرية الأمريكان " . سيد قطب من القرية إلى المشنقة / عادل حمودة

( سخاؤه )

حدث صديقه أحمد عبد الغفور العطار أنه زاره في منزله يوما فسر بوجود أثاث جديد جميل بدل القديم المتواضع ، ثم لما عاد إليه مرة أخرى اذا به يرى القديم قد عاد فلما ألح عليه لمعرفة السبب أخبره أنه باع الأثاث الجديد وقدم ثمنه مساعدة لأحد أخوانه لإتمام مصروفات زواجه .
إنها أخلاق قرآنية فريدة عبرت عن عظمة إمامنا وعالمنا تذكرنا ببعض ماكان عيه سلفنا من زهد وتجرد وإيثار ، رحم الله شهيدنا وجزاه عن أمة الإسلام خير الجزاء .

 
2011-08-28
مواضيع مرتبطة
ارسل لصديق طباعة