صالح بن عودة المحيسن
 

صالح بن عودة المحيسن   هيل نيوز -

هشام عودة


لا يذكر التاريخ السياسي والاجتماعي الحديث لمدينة الطفيلة وما حولها ، الا وذكر معه اسم صالح المحيسن الذي كان له دور بارز في رسم خارطة التحالفات السياسية والاجتماعية في المدينة ، ويمتد نفوذه لمسافات بعيدة خارج مضارب عشيرته ليصبح واحدا من رجالات الوطن البارزين ، وتشهد على ذلك مشاركته في اعمال المؤتمر الوطني الاردني الاول الذي عقد في عمان عام 1928 برئاسة حسين باشا الطراونة ، وجاء بكثير من المطالب الوطنية.

ولد في الطفيلة عام 1900 ، العام الفاصل بين قرنين ، وفي مدارس مدينته تلقى تعليمه الاولي في نهايات عهد الامبراطورية العثمانية ، وكان عليه مثل ابناء جيله ان يتعلم في حينه اللغتين العربية والتركية ، وقد وجد نفسه يتيما بعد وفاة والده وهو في سنوات عمره الاولى ، لكن صالح المحسين ذهب الى بناء شخصيته وملامح وعيه الخاص مستندا الى حجم حضوره بين اهله الذين رأوا فيه "فارسا" متميزا ، الامر الذي دفعهم فيما بعد لتسميته بفارس العشيرة ، لدوره المشهود في حماية الاهل والدفاع عن مصالحهم.

مثل ابناء جيله عانى من القهر و الاضطهاد الذي مارسه الاتراك العثمانيون على العرب ، لذلك لم يتأخر ابو مالك في الانضمام لطلائع الثورة العربية الكبرى التي فجرها الشريف الحسين بن علي عام 1916 ، وخاض مع "رفاقه" في تلك المرحلة معارك عديدة في مواجهة الجيش العثماني في جنوب البلاد ، من بينها معركة معان التي اصيب بها بجرح بالغ في يده اليسرى ومعركة حد الدقيق بجوار الطفيلة ، منتصرا في ذلك لشعارات الثورة وخيارات الامة في الوحدة والتحرر وبناء دولتها المستقلة.

الصالحان ، من ابرز شخصيات الطفيلة وهما صالح المحيسن وصالح العوران ، ارتبطا سويا في الحياة والنفوذ الاجتماعي في المرحلة الزمنية ذاتها ، وتشير السيرة الذاتية لابي مالك انهما عملا معا في جباية الاموال اواخر العهد العثماني ، قبل ان يصبح اول رئيس لبلدية الطفيلة عند تأسيسها ، وكانت تلك المهمة في حينه تمثل منصبا فخريا ، وتم احراق سجلات البلدية في فترته في عملية كيدية.

وفي عام 1921 كان صالح المحيسن احد ابرز الوجوه العشائرية في جنوب الاردن الذين استقبلوا الامير عبد الله بن الحسين في مدينة معان ، ومبايعته اميرا على البلاد ، وفي سنوات لاحقة حمل ابو مالك بندقيته مع بعض شباب الطفيلة ورجالها وهاجموا المستوطنات الصهيونية في فلسطين ، انتصارا للثورة ودفاعا عن عروبة الارض ، وتشير سيرته انه كان يبيع شيئا من املاكه لتوفير السلاح بثمنه لثوار فلسطين من ماله الخاص ، وهي علاقة لم تنقطع بين صالح المحيسن والفدائيين في فترة لاحقة ، حيث كان له حضور مؤثر في اوساط العمل الفدائي بعد هزيمة حزيران عام 1967 وانتشار ظاهرة العمل الفدائي ، وبسبب هذا الدور تمت دعوته للمشاركة في اعمال المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في شباط 1969 في القاهرة ، وهو المجلس الذي اختار ياسر عرفات رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية ، بعد سيطرة الفصائل عليها.

وبفضلة وصل ابناء عمومته الى المجالس النيابية في عدد دورات فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

ظل ابو مالك طوال حياته يمثل مرجعا عشائريا واخلاقيا ، ليس لابناء عشيرته فحسب ، بل لمدينة الطفيلة وما يجاورها ، وكان قاضيا عشائريا لا ترد له كلمة ، ولا ينقض له قرار ، وقد اسهم بحنكته وذكائه في حقن كثير من الدم بين متنازعين التجأوا الى مجلسه وارتضوا بحكمه ، وامتدت حدود احكامه الى مسافات بعيدة في الاردن. وفي الثامن من شباط عام 1974 لفظ صالح المحيسن انفاسه الاخيرة ، وتوفي عن اربعة وسبعين عاما ، قضاها في قلب المشهد السياسي والاجتماعي في مدينته وخارجها ، ودفن في الطفيلة ، بعد ان عاش المراحل السياسية التي مرت على الاردن ، وكان فاعلا في كثير من احداث تلك المرحلة.
عن الدستور.

 
2012-02-23
مواضيع مرتبطة
ارسل لصديق طباعة