الجنة في آيات سورة الطور
 

الجنة في آيات سورة الطور   هيل نيوز - بكر عبد الحافظ الخليفات


قال سبحانه وتعالى : " إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ( 18 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 ) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 ) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 25 ) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) " سورة الطور : (الآيات : 17-28 ). تتجلى هذه الآيات الكريمة بوصف نعيم أهل الجنة الذي أعده الله تعالى لعباده المتقين، وما هو عليه من متاع حسي وروحي، فتتنقل بوصف هذا النعيم،من جنات النعيم، خطوة... خطوة، فتدخل في نعيم، وتخرج من نعيم، وتصور كل واحد منها بما يداعب ويلاعب خلجات القلوب البشرية ، التقية، التواقة لتذوق حلاوة وطراوة هذا النعيم الذي استجاشت له عواطفها، فألهب أحاسيسها ومشاعرها وشحن طاقاتها، فبادرت بتقوى الله تعالى، وسارعت بطاعاته, لتكون مع من جاء عليهم ذكره الحكيم " إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ " . فالمتقين، عند الله في جنات خاصة، كلها رغد وسعد، وهناء، وكل نعيم فيها لا يخلو من الفخامة والتفخيم.... فهم اليوم في هناء وسرور، سعيدون برغد العيش، " فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ " ومعجبون بلذيذ ما آتاهم من أصناف الملاذ وأنواع النعيم، وناعمون وفاكهون بحفظ ربهم وصونه ووقايته التي خصها لهم " وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ " هذه الوقاية التي تلقي في نفوسهم نعيماً آخر مستقلاً بنجاتهم من عذاب الجحيم ونقمته، هذه النقمة التي تحولت بوقاية ربهم إلى نعمة, ليزداد نعيمهم نعيماً. قال ابن كثير : وتلك نعمة مستقلة بذاتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة, التي فيها من السرور ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر. ( مختصر ابن كثير: 3/290). وهذه النفوس التقية كانت تستشعر هذا النعيم في الدنيا، في كل مرة كانت وقاية ربها تأتيها لتدفع عنها نقمة من نقم الدنيا، فكانت تجد في هذه الوقاية نعمة تستحق منها أن تشكر ربها وتحمده عليها، فكيف يكون حال هذه النفوس إذا ما جاءت وقاية الله تعالى لها من " عَذَابَ الْجَحِيمِ " أكبر النقم وأشد المحن؟ وكيف يكون سعدها إذا ما أضيف نعيم الوقاية إلى ما هم عليه من نعيم جناتهم ؟ ومع كل جانب من هذا النعيم وما فيه من الرضى والراحة النفسية , تنبري منزلة المتقين عند ربهم بما يخصهم به من تكريم حسي وروحي تعلوه العناية والرعاية التي تطيب معها نفوسهم بهناء النداء الإلهي " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ".

يقول سيد قطب : وهذا بذاته متاع أكرم. وهم ينادون هذا النداء العلوي, ويعلن استحقاقهم لما هم فيه. (في ظلال القرآن : 6/3396). فيجمع الله تعالى - بإذنه¬ ـ لهم لذيذ النعيم مع هناء ولذيذ التكريم، فيأذن لهم بالتلذذ بنعيم ما أعده لهم من صنوف الطعام والشراب الهنيء الذي لا دنس فيه ولا تنغيص، فلا تلحقهم منه مشقة، ولا تعقبهم من ورائه وخامة وتخمة، فهو نعيم نقي, وصافٍ من الآفات والأمراض التي قد تعطل وتقلل من مدى استمتاعهم وتلذذهم به، وهو ليس كحال نعيمهم في الدنيا الذي لا يكاد يخلو من الآفات والمفاسد التي تجري وتسري عليه بطول مدة حفظه وصونه. إنما هو نعيم دائم وهنيء بهناء وطيب أعمالهم التقية في حياتهم الدنيوية. " مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ " وفي هذا بيان آخر لما هم عليه من هناء العيش الرغيد، فهم " مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ  ". والاتكاء لا يكون إلا من خلال نعيم، وفي ظل صحة، ونفس صافية من كل هم وغم. أخرج ابن أبي حاتم عن سليم بن عامر والهيثم الطائي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البضع في الجنة قال نعم بقبل شهي وذكر لا يمل وإن الرجل ليتكىء فيها المتكأ مقدار أربعين سنة لا يتحول عنه ولا يمله يأتيه فيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه ". (الدر المنثور: ج1/ص100). ثم إنهم متكئون بصورة جميلة، منسقة بنسق وترتيب سررهم المصفوفة التي تسدل عليهم لذة التجمع معاً , وجمال المنظر الذي تزينه أحاسيس الألفة وحميم المودة والمقابلة. " وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ " ومع لذة التجمع وجمال المنظر، يجمع الله تعالى هؤلاء المتقين مع جمال الحور العين من نساء الجنة، زيادة لهم وعلى ما هم عليه من "جَنات وَنَعيمٍ" . فيزوجهم الله تعالى مما شاء وأراد لهم من هؤلاء الحور. ويعتبر الجمع بين نعيم الجنات وما فيهن من خضرة وماء مع جمال الوجه الحسن , شكل من أشكال نعيم الدنيا الذي تتوق اليه النفس البشرية وتجد فيه الراحة والسرور. ولكن شتان ما بين نعيم الدنيا ونعيم المتقين في الجنة مع جمال الحور العين وما هن عليه من جمال الروح والجسد الذي لا يجتمع ولا يكتمل إلا بنساء الجنة. و "الحور " جمع حوراء ؛ وهي المرأة الشابة الحسناء، الجميلة، البيضاء، شديدة سواد الشعر. قال مجاهد : الحوراء التي يحار فيها الطرف، من رقة الجلد، وصفاء اللون.

وقال الحسن : الحوراء، شديدة بياض العين، شديدة سواد العين (الحدقة) . (حادي الأرواح: 1/150). قيل: لا تسمى المرأة حوراء، حتى تكون مع حور عينيها بيضاء لون الجسد. و "العين" جمع عيناء، وهي العظيمة العين من النساء، أو اللاتي جمعت أعينهن صفات الحسن والملاحة. أخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لو أن امرأة من نساء أهل الجنة بصقت في سبعة أبحر، كانت تلك الأبحر أحلى من العسل. (الدر المنثور: 1/99). ونساء الدنيا إذا أدخلن الجنة، فضلن على الحور العين، وهذا من إكرام الله تعالى على المؤمنات الطائعات. أخرج ابن عساكر عن حاطب بن أبي بلتعة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يزوج المؤمن في الجنة اثنتين وسبعين زوجة من نساء الآخرة واثنتين من نساء الدنيا" (الدر المنثور: 1/99). وكل زواج، بصداق ومهر، ومهور حور العين، هيّن ويسير على عباد الله المتقين، وصعب ومستحيل على الكافرين، وأشحاء الأنفس. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز ". (تفسير القرطبي: 16/153). و عن أبي أُمَامَةَ قال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم : " من قَدِرَ على طَمَعٍ من طَمَعِ الدُّنْيَا فَأَدَّاهُ وَلَوْ شَاءَ لم يُؤَدِّهِ زَوَّجَهُ اللَّهُ عز وجل مِنَ الْحُورِ الْعِينِ حَيْثُ شَاءَ " . (المعجم الكبير: 8/238). والآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، لهم من الحور العين نصيب طيب: روى مسلم , عن أبي هريرة رضي الله عنه , قال : إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء , إذا مشت , مشى حولها سبعون ألف وصيف عن يمينها , وعن يسارها كذلك , وهي تقول : أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ؟ . (عمدة القاري : ج14/94). ومن بين خضم النعيم والنعم، تستجيش المشاعر وتلتهب الأحاسيس، فتأتي النفحات الدافئة ببشائر الوجوه الناعمة من الأهل من الذرية الطيبة، من بعد طول فراق وغياب. " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ " .

وإذا ما كانت النفوس البشرية في الحياة الدنيا، تفرح وتمرح وتسمر، فتقيم الأفراح والليالي الملاح عند قدوم أعزائها وأحبتها بعد فراق وغياب دنيوي لا يتعدى حدود الأرض، فكيف يكون نعيم وسرور المتقين في تلك اللحظات التي يجمعهم الله تعالى بها بلقاء أهلهم وذريتهم الطيبة من بعد فراق عصيب كللته الأحزان والأهوال، ومن بعد فراق الموت، ووحشة القبر، وأهوال الساعة، والوقاية من عذاب الجحيم .... إنها لا شك لحظات طيبة وهنيئة من كرم الرعاية والعناية الإلهية بهؤلاء المتقين التي يجتمع فيها هؤلاء المؤمنون مع ذريتهم التي أتبعتهم بإيمانهم وأعمالهم، وان قلت وتفاوتت درجات إيمانهم وأعمالهم عنهم. فيرفعهم الله تعالى إلى درجات أهلهم العُلا، دون أن ينقص ذلك من عملهم ومنزلتهم شيء. قال ابن عباس رضي الله عنه : إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ " . ( أخرجه ابن جرير عن ابن عباس موقوفا ورواه البزار عنه مرفوعا. انظر أيضاً : تفسير القرطبي: 17/66). وروى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه , في قوله تعالى " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ " . قال : هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإذا كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم الحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا. ( وصف الدور الثلاثة من تفسير ابن كثير:ص277). أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وذريته وولده فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك فيقول يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به وقرأ ابن عباس : "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ". الآية. (الدر المنثور: ج7/ص632). ويمضي النعيم في ظلال التكريم خطوة، فيكشف الستار عن أسرار وألوان ما لذ وطاب: " وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ". فيواتيهم ربهم على ما هم عليه من نعمة ونعيم، فيزودهم ويزيدهم دونما انقطاع من شتى أنواع الفاكهة واللحوم. ومما يستطاب منها ويشتهى. والفاكهة واللحم يعدان من كماليات أُكل أهل الدنيا، وهذا الأٌكل لا يتوفر لسائر الناس، وفي جميع الأوقات، وإن توفر وبما يضاف اليه من مواد حافظة, فإن قيمته ولذته تدنو، فلا يشتهى كما لو كان وقت حصاده. ولذلك فان توفر الفاكهة واللحم في الجنة بهذه الوفرة والكثرة، وفيما يشتهيه أهلها وفي سائر الأوقات يدل على كمال النعيم والتكريم فيها، وفاكهة الجنة ولحومها لا يقابلان مثيلاتها في الدنيا إلا من خلال المسمى لكليهما . عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عرضت علي الجنة فذهبت أتناول منها قطفا أريكموه فحيل بيني وبينه فقال رجل يا رسول الله مثل ما الحبة من العنب قال كأعظم دلو فرت أمك قط .

(مسند أبي يعلى: ح1147/ج2/380). وأخرج ابن أبي الدنيا عن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيجيء مثل البختي حتى يقع على خوانه لم يصبه دخان ولم تمسه نار فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير". (الدر المنثور: ج7/ص391). ثم إن وجود الفواكه واللحم في الجنة لا يراد به الاقتيات، إنما للتلذذ والتمتع، ولذلك جاء تقديم الفاكهة على اللحم في الآية الكريمة. ( انظر: وصف الجنة في القرآن الكريم وأثره في الشعر الإسلامي حتى نهاية العصر الأموي، ص203). وفي غمار التلذذ والتمتع، يتعاطى أهل الجنة ويتجاذبون بفرح وسرور ما أحلها الله تعالى لهم من الخمر المصفاة والمنقاة من دنس وقبح الكلام وما فيه من اللغو الذي يأتي عليهم بالإثم، والجنة تخلو من كل إثم، فلا يلحقهم إثم كلام، ولا إثم من شربهم الخمر كونها محللة لهم في الجنة، فهي مبرأة من كل دنس، وتختلف عن خمر الدنيا التي هي رجس من عمل الشيطان، فخمر الجنة كلها لذة ومسرة، يتجاذب كأسها أهل الجنة، لا عن منازعة، وإنما للمداعبة والملاطفة التي تدخل في قلوبهم السرور والمتعة. " وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ" . وهكذا يمضي ويطوف بهم سياق النعيم، بما لا يلحق ولا يسبق من حفاوة التكريم. فإذا بغلمان لهم مصونون، وصافيون، كأنهم لؤلؤ مكنون، يتجولون ويطوفون بما لذ وطاب من لذيذ كأس الشراب. فيزيدهم حسنهم وجمال مظهرهم لذة على لذة شرابهم، فيقبلون عليه بكثرة ومتعة , والإقبال على الشراب بكثرة فيه نوع من المفاخرة كما هو عليه حال الشراب في الدنيا . (انظر : روح المعاني: 27/34). ثم إن وجود هؤلاء الغلمان بهذا الحسن والصفاء، يزيد من تمتع أهل الجنة، فالعين تتلذذ كما تتلذذ النفس، فتتلذذ وتستطيب بما تشاهد وترى من جمال. يقول سيد قطب : يقوم على خدمتهم ويطوف بالكأس عليهم غلمان صباح أبرياء, فيهم نظافة, وفيهم صيانة, وفيهم نداوة : " كأنهم لؤلؤ مكنون" مما يضاعف إيناس المجلس اللطيف في الجوارح والقلوب. ( في ظلال القرآن: 6/3397).

وهذا ما نجده ونلاحظه على سبيل الذكر لا على سبيل المقارنة، في المطاعم والمؤسسات الخدمية الفاخرة في الحياة الدنيا التي تحرص كل الحرص على الناحية الجمالية في مواصفات موظفيها ممن يقومون على خدمة روادهم من أجل إدخال الأُنس والمسرة في نفوسهم كي يعودوا إليهم من جديد في كل مرة. والفرق واسع وشاسع ما بين حُسن الجنة وبين حُسن الدنيا، فحُسن غلمان الجنة لا يقابله ولا يفوقه ولا يضاهيه إلا ما في الجنة من حُسن. فإذا ما كان غلمان الجنة في حُسنهم "كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ" أي المصون في صدفة والذي لم يتغير لونه من شدة بياضهم وصفائهم، فكيف يكون حُسن وصفاء من يخدمونهم هؤلاء الغلمان من أهل الجنة ؟ عن قتادة قال : "بلغني أنه قيل : يا رسول الله هذا الخادم مثل اللؤلؤ فكيف بالمخدوم ؟ " فقال عليه الصلاة والسلام : " والذي نفسي بيده إن فضل ما بينهم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" ... (روح المعاني: ج27/ص34). وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ على صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ على أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ إِضَاءَةً. (صحيح البخاري: ح/3149/ج3/1210). وأخرج الترمذي , بسند جيد حسن عن مُعَاذِ بن جَبَلٍ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أو ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ". (سنن الترمذي: ح2545/ج4/ص682). وروي أيضاً : " إن أدنى أهل الجنة منزلة , من ينادي الخادم من خدامه , فيجيء ألف ببابه , لبيك .. لبيك ".(انظر : روح المعاني: 27/34). ومع الإقبال على لذيذ ونعيم الشراب، يأتي الإقبال على طيب الحديث والكلام ، الذي تتكشف معه الأسرار. " وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 25 ) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ". فيقبلون على بعضهم البعض إقبال حديث وكلام تتكشف عنه أسرار وجودهم في هذا النعيم، فيتذاكرون ما كان من أعمالهم وسير أحوالهم في الحياة الدنيا وهم بين أهلهم خائفين على الرغم مما في القرب من الأهل من أمن وأُنس. فلقد كانوا في حياتهم الدنيا خائفين ومستحضرين بيقينهم عذاب ربهم يوم القيامة الذي ليس له من دافع غير منة وفضل ربهم بصالح إيمانهم وعملهم, ودعائهم الذي برّهم ورحمهم الله تعالى به , فشملهم بأمنه ووقايته من عذابه .. عذاب السموم، هذا العذاب الذي يسري في الأجسام فيقطع الأحشاء والأوصال من شدة حره وسمّه اللاذع. أخرج البزار عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان فيتكىء ذا ويتكىء ذا فيتحدثان بما كانا في الدنيا فيقول أحدهما لصاحبه يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا". (الدر المنثور: 7/634).

وبذلك يكون قد كشف الستار عن سرّ وجودهم ووصولهم إلى هذا النعيم الذي هم عليه في الجنة. قال سيد قطب : السر إذن أنهم عاشوا على حذر من هذا اليوم. عاشوا في خشية من لقاء ربهم. عاشوا مشفقين من حسابه. عاشوا كذلك وهم في أهلهم, حيث الأمان الخادع. ولكنهم لم ينخدعوا. وحيث المشغلة الملهية. ولكنهم لم ينشغلوا. ( في ظلال القرآن: 6/3397). (عن كتابنا الجنة في القرآن الكريم : ص 261_271)

 
2015-02-10
مواضيع مرتبطة
ارسل لصديق طباعة