قصة نهلة القدسي
 

 قصة نهلة القدسي   هيل نيوز -

مفيد فوزى يكتب: نهلة القدسى زوجة الموسيقار محمد عبدالوهاب تخرج من صمتها بعد ٤٠ عاماً!


أكتب من العاصمة الأردنية عمان، إحدى صديقاتى من مدن العالم، ذات الأبنية البيضاء المنخفضة التى تخاصم ناطحات السحاب. واللون الأبيض هو لون قلوب الأردنيين الذين لا يتجاوز عددهم الملايين الثمانية، وتربطنى صداقات عميقة منذ وطئت قدماى عمان منذ سنين بعيدة متعاوناً مع الإذاعة الأردنية ثم شاشة تليفزيون الأردن. وحاورت صحفياً عدداً من الشخصيات منهم الشاعر عبدالمنعم الرفاعى والمفكر محمود الشريف والشاعر حيدر محمود، والدكتورة ليلى شرف والوزير محمد الخطيب والوزير صبرى ربيحات الذى يعود له الفضل هو وزوجته المتألقة المذيعة نسرين أبوصالحة فى العثور على رقم السفير عمر الرفاعى، ابن عبدالمنعم الرفاعى، عميد عائلة الرفاعى، ووالدته السيدة نهلة القدسى زوجة الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب. كان هدفى المعلن أن أراها وأطمئن عليها وكان الهدف المبيت أن «أكسر صمتها الذى طال كثيراً» منذ رحل الأستاذ وقبل أن يرحل! وهاتفت السفير عمر الرفاعى وأبديت رغبتى فى رؤية الوالدة، فرحب بى واتفقنا على موعد.

الإقامة فى «دابوق»

مر السفير عمر الرفاعى نهار أحد أيام أكتوبر بسيارته والتقطنى من الفندق الذى أقيم فيه، وكما يقولون فى الأردن «سيرة وانفتحت» كان حديثنا عن والدته «نهلة هانم» وأنا لا أستطيع أن أخاطبها دون أن يسبق اسمها لقب هانم، فمنذ تزوجها الموسيقار عبدالوهاب أحبها المصريون «لأنها حافظت على الأستاذ ومنحته راحة نفسية». لابد أن أشير إلى حساسية المصريين حين يتزوج منهم «رمز مبدع» سيدة غير مصرية، وقد اختلطت نهلة القدسى بالمجتمع المصرى وعقدت صداقات سريعة وعرفت بذكائها طباع المصريين فبادلوها الود. قال لى ابنها السفير عمر الرفاعى ونحن نقطع شوارع عمان: نحن نتجه الآن إلى منطقة جديدة حديثة، حيث أقيم مع زوجتى ومعنا الوالدة «أم عمر» كما يناديها الأهل، والمنطقة اسمها «دابوق»، قال لى السفير عمر الرفاعى: بعد ٤ سنوات من العمل سفيراً للأردن فى مصر عدت إلى عمان واصطحبت الوالدة بعد رحيل الأستاذ، فقد صارت وحيدة بالإضافة إلى ظروف مصر فى السنوات الأخيرة، وفضلت أن تعيش معنا، والمنطقة هادئة تسمع فيها همس الريح، وسوف تراها ــ ولا تندهش ــ فوق كرسى متحرك، لكنها لم تفقد ابتسامتها، وعندما نقلت إليها رغبتك فى الجلوس والتحاور معها رحبت واعتبرتك واحداً من «أعمدة ذكرياتها» بحكم قربك من الأستاذ ومنها. وهى بالطبع تعيش على الذكريات فإذا جاءها من ينعش هذه الذكريات وشاهد حىُّ، على ذلك الزمن فرحت وأفرجت عن كثير مما هو فى صدرها، وفيما عدا ذلك تلجأ للصمت، فإذا لاحظت شروداً منها فاعلم أن خيط «ذكرى ما» قد شدّها!

«نصيبى أشوفك هنا»

عندما دخلت فيلا عمر الرفاعى فى حى الدابوق الأنيق، سمعت صوت نهلة هانم فى الطابق العلوى تقول «نصيبى أشوفك هنا فى عمان مش فى مصر» وأعترف بقشعريرة سرت فى بدنى وأنا سأراها بعد دقية وأصعد «١٠ سلالم»، كانت صورتها القديمة فى ذهنى ومخيلتى تلك السيدة الجميلة الملامح ذات الطلة الأبهة والأناقة الكاملة والعقل الراجح والعزوف عن الضوء تماماً. و.. ورأيتها، فعانقتها بحرارة ورأيت دمعة تفر من عينيها وصوتها يتهدج. لا شك أنها استعادت أيام شقة الزمالك وأنا أزور الأستاذ وأجلس معه فى غرفة المعيشة، فقد كانت نهلة هانم «تصنِّف» بإحساسها الذى لا يخطئ الزائرين. البعض يقابلهم عبدالوهاب فى غرفة المعيشة وهم المقربون، والبعض يلتقى بهم فى الصالون. نهلة القدسى بعد هذه السنين ورحيل الأستاذ «تحمل توقيع الزمن» ولكن ذاكرتها حاضرة. قلت: شقة الزمالك مغلقة! قالت: رجعت لصاحب البيت! قلت: ألم تكن شقة يمتلكها الأستاذ عبدالوهاب؟ قالت: كنا ساكنين بالإيجار. كان بيدفع ميت جينه إيجار قديم. قلت: ومحتويات الشقة؟ قالت: رجعت لمحمد، ابن عبدالوهاب، قلت: والخزنة الصغيرة التى كان يحتفظ فيها بألحان لم ينفذها وكلمات أغان لم تر النور؟ قالت: والخزنة تسلمها محمد وهو مقيم فى فرنسا، قلت: من يحتل الشقة الآن الرابضة على النيل؟ خرجت منها آهة عميقة وقالت: ابن صاحب البيت تزوج فيها! قلت: هل كان ممكناً أن تعيشى عندنا فى مصر؟ قالت: «كنت اتجننت» كنت أحس بالنحنحة وأسمعها وأتصور أنه داخل الصالون بالروب، مكنش ممكن أستمر فى مصر. وبعدين اللى كانوا جنبى فى مصر راحوا ليلى فوزى وهدى سلطان أنا زى ما انت عارف وقعت وكان الوضع سيئاً، ونقلنى عمر لأمريكا ولا أخرج إلا مرة واحدة فى الشهر، وطوال الوقت أمام التليفزيون المصرى متشوقة لأخبار مصر. قلت: لا نسمع صوتك فى ذكرى محمد عبدالوهاب، قالت بصوت واهن: محمد عبدالوهاب رمز عربى مش مصرى، وأكبر من أى حد وأكبر من نهلة القدسى. قلت: لا يمكن إغفال «نهلة القدسى» فى حياة عبدالوهاب. أنت «قطعة عزيزة» فى حياته، وأعتذر عن التعبير. قاطعتنى بضعف: محمد كان يقولى فى ساعات الصفا «انتى شىء حلو فى حياتى يا بيبى» قلت لها: لماذا كنت صامتة على مدى أربعين عاماً وياما حاولت إغراءك بالكلام؟ قالت: محمد كان يفضل الابتعاد عن الأضواء وأنا كنت مؤمنة بكلامه. قلت: ولكن أنت زوجة فنان ريادة؟ قالت ربما وهى تغالب دموعها: أنا كنت أسمع منه كلام الأغانى قبل ما يلحن، وكان حريص أسمع تسجيلات البروفات وكان بيعتز بوجهة نظرى. ثم قالت: أستاذ مفيد ما تنسى أبداً إن علاقتى بمحمد بدأت بأحاديث حول فنه وأغانيه القديمة اللى «أسعدت جيل»، كان دايماً يسمعنى بصوته «الليل لما خلى».. واختنق صوت نهلة هانم، فأشار لى السفير عمر الرفاعى أن أتوقف قليلاً عن الأسئلة ريثما تشرب كوب ماء وتستريح. قال لى بصوت منخفض: «هادا نزيف ذكريات»!!

الأستاذ الذى لا تعرفه!

قلت لنهلة هانم: بعد أربعين عاماً من الصمت، أريد أن أسألك عن «الأستاذ الذى لا نعرفه»، قالت: انت بتعرف كل حاجة عنه. قلت: أريد أن أقترب منه أكثر. قالت مداعبة: إيه تانى يا أستاذ مفيد؟ ثم وجهت الكلام للسفير عمر الرفاعى: كان محمد يقول عن الأستاذ مفيد «لما تعصريه تنزل منه صحافة» وكان يقول «هوه سؤال زى مصطفى أمين لما قال عنه» قلت لنهلة هانم: ما سر الوسوسة الفنية فى حياته؟ قالت: الرغبة فى الإتقان. قلت: ما سبب الوسوسة الصحية؟ قالت: خوفه الزائد على حياته. قلت: ما أهم صفة حين يأكل؟ قالت: المضغ الجيد «على مهله» قلت: هل تتحدثين معه وهو يتناول وجباته فى أمور حياتية؟ قالت: ممنوع الكلام مهما كانت المشكلة! قلت: متى تقررين الابتعاد المؤقت الذى دائماً يشيد به؟ قالت: أول ما يسرح ويدق بأصابعه على أى شىء ويدندن لوحده، أشعر أن «لحظة الولادة جت»! كيف يا نهلة هانم كانت علاقته بالست أم كلثوم؟ قالت بسرعة: كانوا بيغيروا من بعض! قلت: وعلاقته بعبدالحليم حافظ: كان يحبه بلؤمه! قلت: هو عبدالحليم لئيم؟ قالت: بتسألنى عن عبدالحليم يا مفيد؟ قلت: ما رأى الأستاذ فيه؟ قالت: ذكى وألأم خلق الله! قلت: هل الأستاذ والست أم كلثوم عملوا فيه مقلب فى إحدى حفلات الثورة أمام عبدالناصر؟ قالت: حليم كان عصبى ليلتها! هل الست أم كلثوم كانت معجبة بصوت عبدالحليم؟ قالت باستنكار: أم كلثوم فنانة «لغاية ضوافرها» على رأى محمد وكانت بتحب صوته! قلت: لماذا كان التليفون وسيلته للناس؟ قالت: يفضل التليفون عن الخروج. قلت: مع من كان يتكلم بفضفضة؟ قالت: كان «يرغى» بالساعات مع مصطفى محمود فى الحياة والموت والعبادة الصحيحة. قلت: مع من يتحدث فى السياسة؟ قالت: مع موسى صبرى. قلت: هل حضرتك وراء طرد مغنية ليست مصرية كانت «تريد مجداً» من الأستاذ؟ قالت نهلة القدسى: كلام فارغ وتشنيعات سخيفة. خد بالك الفنانة اللى تحترم نفسها أشيلها فوق راسى. عندك الفنانة التونسية لطيفة، محمد قال لها «بخرى صوتك م الحسد» وعجبنى أوى المعنى. ولما قال لنجاة «انت كلك إحساس وعاوزك تسقى حروفك إحساس» كان على حق، إنما مغنية عاوزة تدلع و«تعمل شو» عيب! قلت: من كان مستشاره القانونى الأمين عليه؟ قالت: الأستاذ لبيب معوض. قاطعتها: أكثر من شريكه مجدى العمروسى؟ قالت: أكثر. قلت لها: ما علاقتك بأولاد الأستاذ؟ قالت: بنتكلم مع بعض أنا وعصمت وأحمد ومحمد أولاده، وأنا بيربطنى بمحمد «ود كبير» أكتر من أى حد تانى. قلت لها: سمعت الأستاذ يقول مرة «ضع ٥٪ نسبة غدر مع أى صديق قبل صدمتك فيه» قالت نهلة القدسى: مظبوط! ثم صمتت قليلاً وطلبت كوباً من الماء والتفتت إلى ابنها السفير وقالت: لىَّ عمر أشوف أستاذ مفيد فى عمان. قلت: ماذا يمثل لك عبدالوهاب؟ قالت: أمه وأخته وحبيبته وزوجته.

هالة القدسى حرة !

سمعت السفير عمر الرفاعى يقول لوالدته: هالة راجعة الليلة أمريكا! قالت نهلة هانم: يعنى اكتفت بالسؤال بالتليفون؟ قال السفير: هالة حرة، جت تحضر فرح فى عمان هى ومرات مصطفى العقاد مجرد ليلة وراجعة، ثم وجه لى الكلام: هالة القدسى قريبتنا وعندها بيوتى سنتر فى هوليوود وساكنة فى لوس أنجلوس ومعندهاش ولاد ومش متجوزة فهى حرة طليقة زى طائر محدش بيحاسبه!

سألت السفير عمر الرفاعى ريثما تسترد الوالدة أنفاسها؛ إذ يبدو أنى أرهقتها، وهذا مجهود ذهنى لم تتكيف معه. قلت: أين الوزير صلاح أبوزيد الآن؟ قال عمر الرفاعى: فى الإمارات مستشار للشيخ خليفة، ساكن فى طابق كامل فى عمارة فى الدور الخمسين. سألتنى الفاضلة زوجة السفير عمر الرفاعى: كيفها فاتن حمامة هلا كانت مريضة؟ قلت لها: نعم وتعافت وحضرت حفلة وكرمها الرئيس السيسى بمصافحتها والسؤال عن صحتها. قالت نهلة هانم: فاتن حاجة كبيرة مش فى مصر بس، بل فى كل الوطن العربى. قلت على الفور: هى من «اكتشافات» الأستاذ عبدالوهاب. قالت نهلة القدسى: من اكتشافات المخرج محمد كريم لكن أول ظهورها على الشاشة كان مع محمد عبدالوهاب. كان محمد لما يشوف الفيلم ده يقول «مش ممكن حجب موهبة بالطعامة دى». قلت لنهلة هانم: كان الأستاذ عبدالوهاب يطلق عليك «هدية من السماء»، فقالت: كان بيبالغ، قلت: كان على حق؛ لقد لعبت أدواراً مهمة. منحته الراحة النفسية والاتزان الاجتماعى والعلاقات القليلة وحافظت على فنه وصحته دعينى أسألك! قالت: لسه عندك أسئلة؟ قلت: لمن كان يستريح للإذاعيين؟ قالت: جلال معوض ويحب قعدته وسامية صادق ونادية توفيق. قلت: لماذا حرصه الجنونى على المواعيد؟ قالت: لأنه منظم كالساعة. قلت: لماذا كان يكره الإضاءة المباشرة فى التصوير ويستعين بالأستاذ المصور وحيد فريد؟ قالت: أضعف ما فى جسم عبدالوهاب نظره. والإضاءة المباشرة تفقده القدرة على الكلام وتصيبه بصداع مفاجئ.

قلت لنهلة هانم: ماذا يمثل لك هذا الفتى الجميل السفير عمر الرفاعى؟ قالت: «حياتى». قلت: ما الذى تفتقدينه فى عبدالوهاب فى وحدتك؟ قالت: عبدالوهاب نفسه. قلت لها: ألا يستحق عبدالوهاب مسلسلاً عن حياته من باب الشعرية إلى المجد؟ قالت فى أسى: لما إنعام محمد على تفكر نمدها بالمعلومات. سألتها: هل كان يكتب مذكراته وآراءه فيمن حوله؟ قالت: فى السنين الأخيرة وأطلع الشاعر فاروق جويدة على بعضها والباقى فى خزنة تحت تصرف ابنه محمد، قلت: هل كان يكتب بقلمه؟ قالت نهلة القدسى: كان بيسجل بصوته. قلت: بالمناسبة، هل خدم السفير عمر الرفاعى فى تل أبيب؟ تنهدت نهلة هانم وقالت: انت عارف يا أستاذ مفيد، أنا كلمت جلالة الملك حسين وقلت له «ابنى الوحيد تودوه إسرائيل؟» قال لى: خليه ياخد تجربة!

صار مجرد... !

عالم نهلة القدسى صار مجرد «مقعد متحرك» تتجول به فى رقعة محدودة، و«شاشة تليفزيون» تنقل لها الدنيا.. وأخبار مصر، و«ركن كنبة» تسند ظهرها عليه وهى تأكل من يد زوجة السفير عمر الرفاعى المتفانية فى خدمتها بحب، و«حفنة ذكريات» تطوف برأسها حين يتسلل إليها صوت محمد عبدالوهاب يغنى. و«ابنها السفير» يتحرك أمامها ويعطيها دفقة حماس للحياة، و«نسمة شجن» تلفحها وهى وحدها والكل مشغول. و.. لا شىء أكثر.

نهليات

١- كان بيعمل حساب لألحان السنباطى.

٢- لم يشعر بعمره إلا بعد وفاة أمه.

٣- يعتز بشدة بكلمات الشاعر حسين السيد.

٤- أنا الزوجة الثالثة لمحمد عبدالوهاب.

٥- كاظم الساهر غنى له «بفكر فى اللى ناسينى».

٦- نجاة غنت لعبدالوهاب «أيظن وأسألك الرحيلا» من أشعار نزار قبانى.

٧- كان يثق فى حس كامل الشناوى ويستظرفه.

٨- كان وفدياً ولكنه أعلن أنه مغنى كل الناس.

٩- سعى للتعرف على د. لويس عوض واقترب منه.

١٠- كان عاشقاً للشوربة الساخنة على الغداء.

١١- كان يقرأ صحف الصباح عصراً.

١٢- ربطات العنق أكثر ما يهمه فى ملابسه.

١٣- كان يصفك كصحفى بالقدرة على «النكش».

١٤- كان يحب «قفلات» محمد ثروت فى غنائه.

١٥- لآخر لحظة فى حياته كان يقول «الأوتومبيل» على سيارته و«الشوفير» على السائق.

١٦- كانت تربطه علاقة متحضرة بزوجى السابق عبدالمنعم الرفاعى والد عمر.

 
2015-03-06
مواضيع مرتبطة
ارسل لصديق طباعة