يوم كانت الكرك تعج بالأرمن
 

يوم كانت الكرك تعج بالأرمن   هيل نيوز - د.مهند مبيضين


صورة الكرك نهاية العصر العثماني مهمة، مدينة مليئة بالتعددية وتنشط اقتصادياً، وهي مدينة غاضبة على الحكم العثماني، هذا الحال يقدمه لنا الموسيقار الفلسطيني واصف جوهرية في كتابه الصادر عن مؤسسة الدراسات المقدسية «القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية (1904 ـ 1917)، تحرير وتقديم سليم تماري وعصام نصار والصادر عام 2003 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في مادة وصفية حول تاريخ المدينة خلال السنوات الأخيرة من العهد العثماني، وهي معلومات قد تسهم في اعادة رسم المشهد التاريخي للكرك العثمانية، وحسب الكتاب فقد زار كاتب المذكرات مدينة الكرك ثلاث مرات.

أما كاتب المذكرات فهو واصف جوهرية الملحن وعازف العود المعروف المقدسي الأصل، والذي ولد عام 1897 في القدس، وتوفي في بيروت عام 1973، وتمتد المذكرات في جميع أجزائها على مدى ستين ونيف عاما 1904 ـ 1968. والراجح انه زار الكرك للمرة الأولى عام 1906م.

أما منهجه في الوصف، فهو غالبا ما يبتعد عن التفصيل في الوصف، إلا إذا كان الأمر أو المكان او الشخصية له علاقة مباشرة معه، فيغلب على وصفه التعميم، دون الولوج إلى العمق، لكن ما يرشح عن وصفه قد يسهم في الكشف عن جوانب غير مبحوثة من تاريخ الكرك في السنوات التي تعد الأكثر قلقاً في تاريخها الحديث، وهي سنوات سبقت ما يعرف بسنة «الهية» 1910.

في نهاية الرحلة الأولى للكرك يقدم واصف جوهرية معطيات جغرافية عمرانية وسكانية من تاريخ المدينة، واصفا موقع المدينة متحدثا عن نمط جديد من البناء اخذ ينتشر مع قدوم أسر وعائلات جديدة، وبعض المهاجرين الجدد، فيقول:» إن موقع مدينة الكرك عال جدا ومحاط بسور عظيم حصين، وإني شاهدت القلعة المعروفة بقلعة الكرك من الجهة الجنوبية من المدينة وذكروا لنا ذبحة الأتراك فيها».
ومن خلال السياق يبدو ان المؤلف زار المدينة بعد سنة 1910 وهي سنة الهية، ومن الناحية العمرانية يقف جوهرية معجبا بنمط البناء القديم في المدينة واحيائها وبساطتها، فيقول «أما منازل الكرك فمتواضعة جدا، فإنك تستطيع أن تصعد إلى سطح البيت من الشارع لأنه منخفض جدا ثم يمكنك السير من سطح إلى سطح بمسافة طويلة فوق المنازل»، اما البناء الحديث في المدينة فيعزوه جوهرية إلى وجود هيئة من الموظفين العثمانيين، واستقرار العائلات الغريبة «أمثال عائلة القطان وغيرها»، وكانت عائلة القطان قدمت من بيت لحم للكرك.

وتقدم المذكرات بوصفها شاهدا على حياة الناس وأحوالهم معلومات عن المهاجرين الأرمن، وعبارة جوهرية تدل على أعداد كبيرة من الأرمن في الكرك، ولكن يبدو انهم غادروها فيما بعد، فلم يظل فيها إلا أعداد محدودة، فهو يقول:» كانت الكرك تعج باللاجئين الأرمن وقد تعرفنا على البعض من هؤلاء اللاجئين، وكانوا من اعيان الاستانة/اسطنبول، وكانوا يقيمون في دير الروم بالكرك، وقصوا علينا الطريقة المحزنة التي جاءوا بواسطتها وتعرفوا على بعضهم واصبحوا لأجل المعيشة يبسطون الثمر في الشوارع بمساعدة عائلة القطان حبيب وإبراهيم، وجاد الله.»

يتحدث جوهرية في طريقه للكرك عن خمسة أيام قضاها في غور المزرعة ثم معطيات مختلفة من محيط الكرك، كالحديث عن عين سارة ومياهها، وعن شيوخ المجالي ونصارى المدينة وعن ظروف المجتمع، وعن السمر والسهر ليلا، وعن نشاط عائلة القطان التجاري، وعن حركة بيع القمح للقدس عن طريق البحر الميت، كما يرسم صورة عامة عن المدينة وناسها في فترة ذات أهمية كبيرة.

يتحدث جوهرية عن شيوخ المدينة وهو معجب برجالات المجالي وشيوخهم فيقول:» وقد كان حظي سعيدا، فحضرت المرحوم الشيخ قدر المجالي في حفلات نهارية واستمع إلى الموسيقى وأحب حسين أفندي كثيرا، ولكنه كان يترك مدينة الكرك عند الغروب مع حاشيته من الفرسان ولا يؤمن لغدر الأتراك، وذلك كما قيل لنا لأنه هو البطل الذي ثار عليهم وذبحهم في قلعة الكرك. كان الشيخ قدر يلبس لباس الشيوخ البدوي الممتاز الجزمة الحمراء وسيفه على جنبه وكان طويل القامة نحيف الجسم وله لحية خفيفة سوداء وعيونه جاذبية سوداء تقدح الشرر.

أما زعل بك فقد استمرت معرفتي له وأصبح صديقا لي خصوصا بعد الاحتلال البريطاني لبلادنا فكان عندما يزور القدس يسلمني كثيراً من نقوده ويبقى في مقهى قالونية عندما كانت فروسو زهران تدير ذلك المقهى فيخسر الأموال ويرسل رسولا خاصا لي لأمده بمبلغ آخر رحمه الله.
هذه ذكريات الكرك فسقيا لأيامنا ما كان أطيبها.»

الدستور

 
2018-05-31
مواضيع مرتبطة
ارسل لصديق طباعة