شعوب ومسلسلات
 

شعوب ومسلسلات   هيل نيوز - عبد اللطيف المناوي


تلك الحالة من الاستسلام والرفض، ورغم ذلك الإصرار على متابعة المسلسلات التليفزيونية، لا تختلف كثيراً عن ذات الحالة التى يمكن ملاحظتها فى الشارع العربى بشكل عام، تلك الحالة من الاستسلام غير الطبيعى، والرضوخ لما هو مطروح ـ أو مفروض، علينا سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، حتى إن السؤال الذى يتردد أو على الأقل ينبغى أن يتردد ـ داخلنا وحولنا، هو، هل هذه المسلسلات بمثابة أبناء شرعيين أو غير شرعيين ـ لهذه الحالة التى نعيشها، أم أن هذه الحالة هى الابن الشرعى لتلك المسلسلات وذلك الإنتاج الفنى والسياسى الذى نتعرض له يومياً حتى بتنا هكذا.

لست ناقداً فنياً، لكن تستوقفنى الظواهر، والظاهرة التى استوقفتنى، خلال الأسابيع الماضية، هى تلك العلاقة الغريبة والمريبة بين المواطن المتلقى وبين جهاز الإعلام المرسل عبر إنتاجه الدرامى، والذى تمثل فى ذلك الفيض من المسلسلات فاضت بها الشاشات العربية من دون استثناء، وجوه شاخت، وشخصيات مل منها الناس، وممثلون وممثلات كادوا أن يضيفوا أجنحة ملائكية يسبحون بها فى عقول الناس الخاوية ـ بإرادتهم ـ وآخرون يتحدثون عن ملايين لم يسمع بها معظم المشاهدين، وقصص سخيفة وممجوجة، وشخصيات باهتة، وأحداث غير واقعية، باختصار حالة من النصب العام والشامل ومتعدد الأطراف على المشاهدين، والغريب هنا ليس حالة النصب، ولكن الغريب إدراك المتلقين من المواطنين أمثالنا لهذه الحقيقة، ولكن الأكثر غرابة هو تلك الحالة الغريبة من الاستسلام التى راح فيها المواطنون، رافعين كل رايات التسليم للأمر الواقع والرضا بالمكتوب.

قرر منتجو هذه المسلسلات وتضامنت معهم جميع الشاشات العربية التى هى جزء من الآلة الإعلامية العربية ـ الرسمية والخاصة، قرروا جميعاً أن يقدموا هذا المخدر إلينا نحن المواطنين، ورضينا نحن بإدمان هذه الأشياء حتى لو كنا مدركين لحقيقتها، وحتى لو كنا غير راضين عنها.

أعود للسؤال المحير على طريقة المسلسلات، من ابن من؟ هل نحن أبناء هذه الحالة من الاستسلام اللذيذ المؤذى، أم أن هذه الحالة من الاستسلام الناتجة عن ذلك الواقع الذى نعيشه هى المسؤولة عن أحوالنا هذه؟

قد يرى البعض فيما أقول محاولة للى عنق الأشياء لأوصل بها معنى أكبر من حدودها، فكل ما سبق هو حديث عن مسلسلات، ولكنى أرد قائلاً، إن العرض ـ بفتح العين والراء ـ البسيط هو نتاج لداء قد يكون مزمناً، ولست أدرى هل هذا العرض ـ بفتح العين والراء ـ الذى أشرت إليه اليوم هو إشارة لحالة أعم وأخطر، أنا أظنها كذلك، وإذا أردنا الدليل فلنحاول استعادة حالتنا الاستسلامية لما فرض علينا من شاشاتنا، ونقارنها بما فرض علينا من واقع تفاصيله غنية عن البيان. لن تجد الأنظمة ولا منتجو المسلسلات شعوباً ومتلقين أفضل منا.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

 
2017-07-07
مواضيع مرتبطة
ارسل لصديق طباعة