علم الجهل وإدارة الفهم
 

علم الجهل وإدارة الفهم   هيل نيوز - بقلم علي درة


علم الجهل مصطلح قد يبدو غريبًا، فكيف للجهل أن يكون له علم؟ ولكنها الحقيقة التي لا يعرفها الكثير من الناس، فعلى مر الأزمنة تصارع السلاطين والساسة على «حق امتلاك المعرفة ومصادر المعلومات»، وذلك لأن المعرفة قوة كبرى تفوق قوة المال والعتاد، ونظرًا لأن المعرفة بهذه الأهمية الكبرى، فقد كان هناك دومًا من يحاول التحكم بها أو نشرها وفقًا لما يخدم مصالحه وتوجهاته، ولهذا الأمر تأسس ما يسمى مجال «إدارة الفهم» وذلك في الأوساط السياسية والأكاديمية.

وتعتبر وزارة الدفاع الأمريكية أول من بدأ ينشر مفهوم إدارة الفهم، وتم تعريف هذا المفهوم بأنه «نشر معلومات أو حذف معلومات بهدف التأثير على تفكير الجمهور وللحصول على نتائج يستفيد منها أصحاب المصالح».

علم الجهل

ونظرًا لأن تطبيق مفهوم إدارة الفهم يحتاج إلى معرفة تامة ودقيقة «بعلم النفس والسلوك والإدراك» فقد قام باحث ستانفورد المختص بتاريخ العلوم «روبرت بروكتر» بصياغة ما يعرف باسم «علم الجهل».

وتم تعريف هذا العلم بأنه «هو العلم الذي يدرس صناعة ونشر الجهل بطرق علمية رصينة».

وبدأ «علم الجهل» في التسعينيات من القرن العشرين الميلادي بعدما لاحظ الباحث دعايات شركات التبغ التي تهدف إلى تجهيل الناس حول مخاطر التدخين، ففي وثيقة داخلية نشرت من أرشيف إحدى شركات التبغ الشهيرة تبين أن أبرز مخطط لنشر الجهل كان عن طريق «إثارة الشكوك في البحوث العلمية التي تربط التدخين بالسرطان».

ومن حينها انطلق لوبي التبغ في أمريكا لرعاية أبحاث علمية مزيفة هدفها تحسين صورة التبغ اجتماعيًّا ونشر الجهل حول مخاطره «لوبي جماعات ضغط هدفها التأثير على صناع القرار أو على الرأي العام».

وبذلك يتضح لنا أن الجهل ليس «انعدام المعرفة» فقط بل هو منتج يتم صناعته ونشره لأهداف معينة غالبًا ما تكون سياسية أو تجارية.

علم الجهل والتأثير على الشعوب

وكما يستخدم علم الجهل في التأثير في عالم التجارة والتسويق، كذلك يستخدمه الحكام والساسة في التأثير على تفكير الجمهور من أجل تسويق توجهات سياسية معينة والترويج لها ليتم إقناع الشعوب بها، ويعتمد الحكام والساسة الذين يستخدمون علم الجهل على ثلاثة أمور هامة:

١- بث الخوف لدى الآخرين من عدو مفترض.

٢- ترتيب الأولويات وفقًا لمعركة وهمية.

٣- وضع معايير مضللة لحالة النجاح المطلوبة.

والبداية تبدأ من افتراض الحاكم وساسته أن هناك عدو يتربص بالبلاد «أهل الشر» وهم في الغالب كل من يعترض على أخطاء الحاكم ويتم حشد الرأي العام بخطورة هذا العدو المفترض وأن مواجهة هذا العدو «أهل الشر» تستدعي توحد الجميع خلف الحاكم وأن ترتيب الأولويات يستدعي عدم الحديث عن أي حريات أو إنجازات أو حل مشاكل أو رفع مستوى المعيشة، ولكن ترتيب الأولويات يستدعي فقط الوقوف خلف الحاكم لمواجهة هذه التحديات.

لتتحول بعد ذلك معايير النجاح من إنجازات وحريات إلى مدى نجاح الحاكم في مواجهة التحديات والبقاء على الدولة.

أدوات نشر علم الجهل

أولًا: الإعلام

حيث يتم صناعة كيانات إعلامية موجهة وكثيرة تتبنى لغة خطاب واحدة ومتكررة لترسخ في الأذهان مشروع الحاكم، مع استخدام رموز المجتمع للاستفادة من شعبيتهم في ذلك.

ثانيًا: نخبة سياسية مصطنعة

حيث يتم تكوين كيانات سياسية تابعة ولها ولاء تام تقوم بالتأصيل السياسي والتشريعي لما يريده الحاكم، وتكون الذراع السياسية في معركته المفتعلة ضد «أهل الشر».

ثالثًا: استخدام رجال الدين

حيث يتم استخدام مجموعة من رجال الدين الذين يتم صناعتهم أو استقطابهم، حيث يتم تطويع بعض النصوص الدينية وتطويعها إلى ما يريده الحاكم بهدف التأثير على العامة.

الوقاية والعلاج

لا وقاية ولا علاج من كل ما سبق إلا بالوعي الحقيقي والعلم والقراءة، مع استخدام إعلام محترف ومتجرد، ليتم نشر الوعي بصدق وحرفية عالية ومتجردة مع الاستعانة بأهل الفكر أصحاب الرؤية والعقل المتزن في التصدي لهذاالعلم الذي يجعله الكثيرون «علم الجهل».

 
2018-11-18
مواضيع مرتبطة
ارسل لصديق طباعة